|
للدراما كما لكلّ فنٍّ أو مجال
آخر فترات ومراحل، أو عصور، ولكن
ليس بذلك المعنى ذي الامتداد
الزمنيّ المستطيل، بل باختصار ذلك
المعنى إلى السنوات القليلة.
ففيما سبق كانت الريادة للدراما
المصريّة، وبلغت الرغبة في
التمصّر أوجها، حيث كان الناوون
الدخول إلى المدنيّة يحاكون
ممثّليهم المشهورين، ويقلّدونهم
في كلّ ما يتعلّق بهم.. ثمّ
استلمت الدراما السوريّة دفّة
القيادة فسادت ولا تزال كذلك، في
حين يحاول المصريّون العودة إلى
الصدارة، سواء من خلال تطعيم
أعمالهم بنجوم سوريّين أو
الاستعانة بخبرات بعض المشتغلين
في هذا المجال.. وقد اقترب العرب
في بعض الأعمال من تحقيق الوحدة
الدراميّة، من خلال إشراك نخبة من
ممثّلي كلّ دولة، وذلك لإيجاد سوق
واسعة لها، وكسب شريحة أعرض من
المشاهدين.. وغلب الإنتاج
السوريّ، المطعَّم عربيّاً
وأجنبيّاً في مناسبات أخرى، على
الشاشات التي «تسوْرنت إن جاز
التعبير» دراميّاً، واستقطب شريحة
كبيرة من المشاهدين، وهذا ما حدا
بالسوريّين إلى استغلال هذا
النجاح من خلال تجيير اللهجة التي
درجت، والاستعانة بالدبلجة،
فدبلجت الإنتاجات التركيّة بنجاح،
ويعدّ ذلك من باب التثاقف بين
الشعوب شيئاً إيجابيّاً، فيما إذا
بقي في حدود المعقول، لكن أن
يتحوّل إلى عادة، وما كلّ عادةٍ
مستجلبةٍ بمحبَّذة، فإنّ ذلك
يخرجها إلى طور آخر، قد يناقض في
أدائه ما استحصله من نجاحات
سابقة، عندما يصير التترّك طوعاً
جلباب التنوّر والإبداع.. ولا شكّ
أنّ شركات الإنتاج تختصر الوقت
والجهد، لتكسب ما كانت ستكسبه في
وقت أطول وبجهد مضاعف، رغم أنّ
عملية الدبلجة أيضاً تنطوي على
عملٍ متعب، لكنّها لا تصل إلى
البدء من الصفر، عداك عن التكاليف
الإنتاجيّة والإخراجيّة الباهظة،
فضخامة الإنتاج بالنسبة للأعمال
المدبلجة يلعب دوراً رئيساً يحول
دون الخوض في مغامرات شبيهة.. كما
أنّ اختلاف الأجواء والبيئة
والعادات والموسيقا والبراعة في
انتقاء الممثّلين، يساهم في
الانشداد إلى مثل هذه الأعمال
التي على ما يبدو ستغدو لها
مرحلتها التي تألّقت، وستتألّق
فيها، وسيكون لها عصرها، أي سيكون
هنالك عصر الدراما التركيّة
عربيّاً. والذي قد بدأ على أرض
الواقع منذ سنة أو أكثر..
فبعد مرحلة الانبهار الأوّل، تأتي
مرحلة التدقيق والتحليل، ثمّ
بعدها تأتي مرحلة التململ، ثمّ
الجفاء.. لتكون المخاصمة فيما
بعد.. وقد تتأخّر مرحلة المخاصمة
سنة أو سنتين، لكنّها وشيكة، فكما
أنّ الهجوم على تلقّفها يبلغ
أوجه، ستصبح الرغبة عنها كذلك
أيضاً.. فنحن نعيش الآن مرحلة
الانبهار، وخطوة أولى متماسّة
معها تحبو من مرحلة التدقيق
والتحليل، رغم أنّ البعض أشهر
المخاصمة واستبق الزمن إليها..
ستضطرّ الشركات في بحر هذه
المرحلة إلى البحث عن بؤر
إبداعيّة أخرى لاستغلالها قبل أن
تستنفد طاقاتها.. أمّا لماذا لا
يكون هنالك بحث دؤوب عن الجديد في
مجتمعاتنا المحكومة بالتقليد لا
بالتجديد..؟ هل يعود ذلك إلى
طبيعة إنساننا التي ترتضي
الاستكانة، أم إلى طبيعة التجّار
الذين يلهثون وراء الربح السريع،
أم إلى طبيعة السلطات التي يرضيها
انشغال والتهاء شعوبها بآلام
الآخرين وآلامهم..؟! هل يعود ذلك
إلى ضعف النصوص الإبداعيّة، أم
يعود إلى تهميش إبداع الكثيرين من
المبدعين الذين لا يصفّقون ليل
نهار..؟!
لا أفرض رأياً أو أتأستذ عندما
أقول، إنّه ما لاغنى عنه للدراما
هو أن تستعين بنصوص الأدباء
الكبار، من أمثال أمين معلوف وعبد
الرحمن منيف وجبرا جبرا وصنع الله
إبراهيم وحيدر حيدر ونبيل سليمان
وسليم بركات وفوّاز حدّاد ورشيد
الضعيف وغادة السمّان وغالب هلسا
والعجيلي.. وغيرهم كثيرون مغبونة
نصوصهم التي تُقرَأ على أوسع
نطاق، وتُتجاهل رسميّاً أكثر من
ذلك، تلك التي تظلّ خارج
الاهتمام، لأنّها لا تتوافق مع
سياسات ونهج الأنظمة التي ترتكب
كلّ الموبقات وتطلب من الفنّ أن
يشيد بإنجازاتها ويعظّمها فقط من
دون الالتفات إلى غير ذلك إلاّ
إلى ما ينسيه.. كما لاغنى عن
إشراك الجميع، وإلغاء الهامش،
ليصبح العمل سيّد نفسه مسؤولاً
بوعي وحريصاً بمسؤوليّة، حينها
ستسمَّى الأشياء بمسمّياتها، من
دون بهرجة أو تزييف أو تملّص.
سيكون السجن مظلماً وموحشاً
وكئيباً، لن يكون مجمَّلاً كغرفة
في فندقٍ ما، كما يقدَّم الآن،
وفي كثير من الأعمال..
ولاشكّ أنّ الصوت وحده لا يمنح
الهويّة للأعمال المقدَّمة، ولا
يكفي واجهة للإبداع بل أنّه يدين
صاحبه إذا ما بُولغ فيه، وما قيل
عن أنّ الأذن تعشق قبل العين
أحياناً، يغدو وهماً عندما تنقشع
الغيوم المصاحبة للأحيان تلك. ففي
الفنون، والدراما ليست استثناءً،
تتآلف الحواس كلّها، وتشترك في
الحكم على عملٍ ما.. ولا يدوم
التحايل أو التغبيش طويلاً لأنّه
في النتيجة لا يصحّ إلاّ الصحيح.
كما يقال بالعامّيّة. أو كما
تبشّر بذلك الحاسّة السادسة. من
هنا هل سيستمرّ عصر الدراما
التلفزيونيّة عربيّاً، طويلاً، أم
ستحتلّ السينما حيّزاً يليق بها
في العصر الحديث، حيث أنّ
السينما، كونها فنّاً شرطيّاً
مثلها في ذلك مثل المسرح، تشترط
الحرّيّة أوّلاً وأخيراً كي تبدع،
ولا تقبل أوصياءً يؤطّرونها
ويحجّمون أفكارها ويحجرون عليها
من خارج إطارها..؟!! كلّ ذلك
سينجلي تباعاً وليس سراعاً. ذلك
لأنّ تطوّرنا بطيء بعكس تأثّرنا
السريع المريع، كوننا نبدع في
التلقّف والتبعيّة والتقليد،
ونسهو عن الإبداع ونتجاهل مبدعينا
ونهمّش التجديد والمجدّدين لأنّهم
قد يشكّلون خطراً ينبغي الاحتراص
منه..
صحيفة اللواء اللبنانيّة/ اللواء
الثقافي/ الخميس,6 تشرين الثاني
2008 الموافق 7 ذو القعدة 1429 |